كلمة الرئيس
كلمة الرئيس

كلمة الرئيس

السيد حسن إسميك: رئيس مجلس أمناء المعهد الاستراتيجيكي للسياسات SPI

يشهد النظام الدولي القائم تحولاً هيكلياً وبنيوياً عميقاً، لا يُعيد تشكيل موازين القُوى وأنماط العلاقات بين الفاعلين فحسب، بل أيضاً يُعيد تعريف طبيعة التهديدات والتحديات المحيطة بالمجتمعات والدول الوطنية. فقد تحولت في طورها الأول؛ من الظواهر الطبيعية البيئة والجغرافية المتقلبة، الخارجة عن الإدارة الإنسانية، إلى النموذج الأمني التقليدي، القائم على الحروب النظامية والصراعات الحركية بين المجتمعات أو الدول ذات السيادة.

وفي العقود الأخيرة؛ حدث انزياح عن النماذج التقليدية؛ سواء في الأطر المفاهيمية والعملياتية، حيث برزت التهديدات الناتجة عن طيف متعدد الأبعاد من الأدوات والوسائل التي تنتمي إلى ما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، والتي اتسمت بالغموض، وبتداخل المستويات، وبتجاوز الحدود الفاصلة بين السلم والحرب.

وراهناً؛ تتجه الأدبيات البحثية والدراسات الاستراتيجية للتركيز على جُملة من التهديدات الناشئة والتحديات غير التقليدية، وبخلاف التحديات السابقة التي تمحورت حول الدول، وتركزت في مجالات الصراع العسكري أو المادي بوصفه الحاسم الرئيسي، فإن التحديات المعاصرة تتجه للتمركز في الأبعاد الإنسانية والبشرية، باعتباره المجال الرئيسي لمفهوم الأمن الراهن.

في هذا الإطار، تبرز التقنيات الحديث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحولات أنماط الإنتاج والمعرفة، والتداعيات البنيوية للتغيرات المناخية، وتداعياتها على الاستقرار البيئي والاجتماعي، وهشاشة النظم الصحية والتهديدات الصحية العابرة للحدود كما ظهرت في أعقاب جائحة طوفيد-19، وتصاعد الإشكاليات المرتبطة بالحوكمة العالمية.

لكن التهديد الأكثر عمقاً وتأثيراً، لا يتمثل في المخاطر البيئة أو المادية أو التقنية، بل يتجسد في التحولات التي تطال الإنسان نفسه، حيث تتآكل تدريجياً الأسس المعيارية والقيمية التي تشكلت منها نواظم العلاقات الإنسانية، وتراجع منظومات العمل الإنساني الجماعي الذي ساد في أواخر القرن العشرين، وتفكك بصعود الخطابات الإقصائية، حيث تعود المجتمعات نحو ديناميكيات الجماعة الداخلية مقابل الجماعة الخارجية -أو الغُرباء. وفي داخل هذا الإطار؛ تشهد البُنى الثقافية والاقتصادية والفكرية تحولات ملموسة؛ من حرية تدفقات الأفكار ورأس المال، إلى الحمائية المحلية حيث تتزايد رغبة المجتمعات في الانعزالية ومعاداة الأجانب.

إن المخاطر لا ترتبط بالظاهرة ذاتها، فهي مشهد مُتكرر في التاريخ الإنساني، بل في تأثير هذه الظاهرة، وانعكاسها على فعالية المؤسسات الوطنية والأممية، حيث السياسات تُقر وتتخذ في بيئات سريعة التحول، وأنماط وآليات صنع قرار غير مستقرة، والمعايير الإقليمية والدولية غير منتظمة.

ويتمثل الخطر الرئيسي، في التحول الذي يطال أنماط صنع القرار، والذي يُعاني تحت ضغوط الهوية والانكفاء من اختلالات وحالات من الانكماش المعرفي، حيث أصبح صناع القرار يميلون إلى تبسيط وتجزئيه المتغيرات والمشكلات شديدة التعقيد وكبيرة التهديد، وفي أحيان عدة، تتخذ القرارات بانفصال عن الواقعية، حيث عمليات صنع القرار ترتبط بالاستدلالات الشعبوية والخطابات المتصورة والخيارات العاطفية.

وقد أنتج ذلك، سياسات اختزالية وانغلاقيه وذاتية، مقابل تراجع اليقين السياسي والمسار الاستراتيجي، حيث يُمكن أن تشهد السياسات تغيراً كُلياً في غضون دورة انتخابية واحدة، أو نتيجة لتغير المزاج الشعبي أو لأحداث طارئة.

كما شهدت القدرة الجماعية تراجعاً ملحوظاً، ومن المفارقة أن تآكل الأدوات الجماعية يأتي في وقت تزداد فيه التحديات العالمية تعقيداً وترابطاً، وتُواجه البشرية مخاطر وجودية مشتركة، وتتداخل ديناميكيات التأثير للأبعاد الصحية والبيئة والاقتصادية والتكنولوجية. بالتوازي مع انحسار تأثير وأهمية المؤسسات الأممية، والتي شعفت فعاليتها في حل الأزمات المعقدة وتراجع وزنها في تنسيق الاستجابة الدولية المشتركة للأزمات الدولية.

إن ذلك كُله، جزء من أعراض حالة عدم الاستقرار العميق للتغيرات الجوهرية التي تطال النظام الدولي. ولا يُمكن اعتبار تلك التطورات حالة عابرة، فحالة عدم اليقين انتقلت إلى مرحلة "الغموض الاستراتيجي" مع استمرار عدم انتظام التحولات الهيكلية للنظام الدولي، وعدم معيارية العلاقات الإنسانية في عصر ما بعد العولمة.

بالنسبة إلى صناع القرار والمستثمرين والشركات، تتقلص أدوات التنبؤ بالاتجاهات طويلة الأمد. حيث لم يعد ممكناً الاستشراف طويل الأمد بالاعتماد على السوابق التاريخية، أو بالانطلاق من الواقع حيث دخلنا عصر مليء بالصدمات والمسارات غير الخطية. وأصبح التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل في مشاريع الطاقة أو البنى التحتية أو السياسات والخطط التي تمتد لعشرين عاماً، مسألة بالغة الصعوبة.

في هذا المشهد شديد التعقيد، تزداد أهمية مراكز الأبحاث والفكر، بوصفها المؤسسات القادرة على تحديد المتغيرات ودراستها وفهم التحولات وتحليلها وتقييم الأحداث وتقديرها. ولا تزال تُحافظ على بُعدها الاستراتيجي والتزاماتها العملية، وقد تكون مراكز الأبحاث من المؤسسات الرائدة التي تمنع الانهيار الاستراتيجي للمعرفة السياسية، فهي من المؤسسات القليلة القادرة على معالجة الاضطرابات وتحويل التدفقات الكمية والنوعية للبيانات الخام، إلى معلومات وتوصيات قابلة للتنفيذ.

إن المعهد الاستراتيجي للسياسات، يُمثل تطوراً ملحوظاً بدء منذ تأسيس معهد ستراتيجيكس الذي تأسس عام 2018، وجاء مدفوعاً بالمصداقية والدقة والموثوقية التي حظي بها المعهد، ويأتي الانتقال إلى المعهد الاستراتيجي للسياسات، في ضوء المنهجيات الحديثة والتطوير الذي تم إدخاله على عمليات تخطيط السيناريوهات، وهندسة عمليات إدارة المخاطر، والكشف المبكر عن التهديدات، والمساهمة في بناء أطر سياسية لعمليات صنع القرار تعتمد على التحليلات والتقديرات.