أُجريت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في 11 أبريل 2026، على مدار ما يقرب من 21 ساعة. لم تسفر المفاوضات عن شيء ملموس، سوى أنها المرة الأولى منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران التي يلتقي فيها مسؤول بحجم نائب رئيس الولايات المتحدة مع مسؤولين إيرانيين. حمّل الطرفان كلٌّ منهما الآخر مسؤولية فشل المفاوضات. وفي الأسبوع الثاني من الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، ومع حصار الأخيرة لمضيق هرمز كورقة ضغط لتوافق طهران على شروط واشنطن، أُعلن عن هدنة بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، تلاها إعلان عن فتح المضيق لمدة يوم واحد، ثم إغلاقه مرة أخرى، ما يعكس ضبابية المشهد.
القضايا الأساسية في مفاوضات إسلام إباد
واجهت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، سواء عبر الوسطاء (تركيا – مصر – باكستان) أو تلك المباشرة في إسلام آباد، عدة خلافات، ليس فقط في وجهات النظر حول القضايا نفسها، بل في المخرجات والمدخلات المتعلقة بجوهر المفاوضات وآليات وقف إطلاق النار. فبينما عُرضت عشر نقاط كسقف مطالب يُفترض أنها محور التفاوض، أعلنت الولايات المتحدة عن 15 نقطة كشروط أمريكية لوقف الحرب على طهران، التي بدأت في 28 فبراير 2026. وتبرز أهم النقاط الخلافية كما يلي:

وبناءً على الاختلافات السابقة، والتي سبقت جولة التفاوض في باكستان، لم يخرج عن لقاء فريقي التفاوض الأمريكي والإيراني نتائج ملموسة يُعوَّل عليها بشكل واضح في أيام الهدنة المتبقية. وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن الاتفاق السابق بين إيران والولايات المتحدة، أو ما يُسمّى (5+1)، استمر تقريبًا عامين، فقد وقع في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الذي اتبع نهجا أقل حدة من نظيرتها إدارتي ترامب الأولى والثانية غير المتسلسلة، والذي اختار الانسحاب منه عام 2018. ثانيها أن نقاط الخلاف الحالية تتطلب مدة كافية للوصول إلى صيغ توافقية وتقديم تنازلات من الطرفين، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف أو تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة محددة. فبينما طرحت إيران مؤخرًا تعليق البرنامج لمدة خمس سنوات، يرغب ترامب في جعل المدة نحو 20 عامًا تقريبًا.
وفي الواقع؛ فإن مؤشرات عدة تدفع لترجيح أن أطراف الحرب الثلاث راغبة في "وقت مستقطع" من الحرب عبر المفاوضات وإن كانت تلك الرغبة بدرجات متفاوتة. بالنسبة إلى إيران؛ تفرض الحرب مخاطر وجودية على نظامها السياسي ومستقبله وعلى قدرته في بسط سيطرته وسيادته على جغرافيا البلاد الممتدة، فلم تعد التحديات عندها تتعلق بما تمتلك من قدرات قتالية خارجية، بقدر ما تحولت إلى قدرتها على بسط الأمن والاستقرار داخلياً، وكذلك مرونتها في الحفاظ على التوازن بين السلطات لا سيما في ظل التناقض الواضح في تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول فتح المضيق من عدمه، كما كشفت عنها تأكيدات وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد قالبياف، الذين أعلنا عن فتح المضيق، قبل تأكيد الحرس الثوري الذي يمتلك التأثير الأكبر في هذه المعادلة بأن المضيق لا يزال مغلقاً. من جهة أخرى فإن مسارها العسكري منذ اندلاع الحرب يهدف بالأساس إلى العودة للمفاوضات، حيث انتقلت من الردع ضد إسرائيل إلى الردع ضد الولايات المتحدة، من خلال استهداف حقول النفط في دول العربية، والتأثير سلباً في الأسواق العالمية، إلى جانب ممارستها للإرهاب الاقتصادي في مضيق هرمز، وبشكل ضاعف من المخاوف العالمية وقاد نحو ارتفاعات متواصلة في أسعار النفط والشحن.
في المُقابل، غالبا ما قلل ترامب من أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط إيرانية، فقد سبق له دعوة الدول التي تعتمد في جزء من وارداتها على المضيق لتشكيل تحالف دفاعي يحمي حرية الملاحة فيه، وقد أشارت تصريحاته في 26 فبراير 2026 بوضوح إلى عدم حاجة الولايات المتحدة للمضيق وإلى كفايتها الانتاجية من الطاقة، وهو بهذا الخطاب يقلل أيضا من تأثيرات السلوك الإيراني في المضيق على أسعار الطاقة في الولايات المتحدة. بل وأعادت الولايات المتحدة توظيف ورقة المضيق بشكل عكسي على إيران، حيث أعلنت في 14 أبريل بدء حصارٍ بحريٍّ على إيران.
بالنسبة للولايات المتحدة، فمن المؤكد أن هذه الحرب لا تُشبه العملية العسكرية التي اعتقلت خلالها القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وأثنت نظامه على تغيير نهجه والتقارب مع المصالح الأمريكية. فقد حيدت الولايات المتحدة وإسرائيل القيادة الإيرانية خلال الساعات الأولى من إطلاقهما العمليات العسكرية، وقد شمل ذلك المرشد السابق علي خامنئي، والقيادة العسكرية في البلاد، لكن ذلك لم يكن كافياً لإرغام النظام على الاستسلام، وحتى مع اشتداد الضربات ضد إيران، وما لحق ببنيتها العسكرية الصاروخية والبحرية والأمنية من أضرار، لا تزال البلاد تظهر تماسكاً نسبياً في هيكل السلطة.
علاوة على ذلك، أظهرت إيران قدرات على الرد والتخريب الواسع في عموم المنطقة بأقل التكاليف، حيث انتقلت من إدارة الحرب بعقلية الدولة إلى إدارتها بعقلية المليشيات، فقد شملت ضرباتها واعتداءاتها دولاً عربية حليفة ووسيطة ومحايدة، وبكثافة أوسع من تلك الموجهة نحو إسرائيل. وذلك عائد بشكل رئيسي إلى توجه طهران نحو تعقيد كُلف الحرب على الولايات المتحدة بشكل رئيسي، ولتضرر مخزوناتها من الأسلحة بعيدة المدى التي تعرضت لضربات متواصلة منذ يونيو 2025.
مع ذلك، لا يبدو أن الإدارة الأمريكية تُواجه ضغوطاً مُلحة لوقف الحرب في المرحلة الراهنة، إذ أشار الرئيس الأمريكي في مناسبات عدة، بأن العمليات العسكرية تسبق جدولها الزمني المخطط له، وتعكس التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث وكذلك وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس، بالتزامن مع الجولة الأولى من المفاوضات؛ شعورا بالأريحية االعملياتية بالرغم من الكُلف والتداعيات المترتبة عن الحرب.
فوفقاً لهم، تم تدمير المشروع النووي الإيراني، وتقويض قدرات إيران الصاروخية، ويتم ضرب وكلائها في المنطقة، وهذا الخطاب الذي سبق المفاوضات قد يشير إلى الأهمية المنخفضة لمخرجاتها، حيث تحقيق الأهداف على الأرض أسرع من التوصل إليها باتفاق، أو قد يأتي في سياق تشديد الضغوط على إيران للحصول على تنازلات منها فيما يتعلق بالمطالب الـ 15، حيث هناك العديد من القضايا التي تتطلب التفاوض أو تعميق العمليات بالضرورة من الجو إلى البر، لا سيما تجاه السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وكذلك المدن الصاروخية تحت الأرض، الغير مكتشفة أو الموجودة في أعماق الجبال والتي يصعب تدميرها بشكل كلي.
أما في حالة إسرائيل، التي تنظر للحرب من منظور استراتيجي، باعتبارها فرصة تاريخية لإسقاط النظام أو تحييد تهديداته، فإن قدرتها على تحقيق ذلك من خلال حملة جوية مشكوك بها، كما أنها تنخرط في عمليات عسكرية لا تقل تعقيداً في لبنان، وقد وسعت من أهدافها بتمديد المنطقة الآمنة من حوالي 5 كيلومترات إلى مساحة شاسعة تمتد من جنوب نهر الليطاني وصولاً للحدود، كما أن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات انعكست على اقتصادها حيث يقدر بنك إسرائيل أن الخسائر الاقتصادية عن الحرب في غزة ولبنان لعامي 2024 و2025 قد كلفت الاقتصاد نحو 57 مليار دولار، وبما يُعادل 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع استمرار الحرب في إيران، فإن تأثر جبهتها الداخلية أوسع نطاقاً مقارنة بالحربين في غزة ولبنان، حيث أدرجت إيران قبيل اتفاق وقف إطلاق النار صواريخ برؤوس حربية عنقودية يصعب اعتراضها، وتُحدث أضراراً على مساحة مكانية واسعة، ووفقاً للجيش الإسرائيلي تشكل تلك الصواريخ نصف ما أطلقته إيران من مجموع صواريخها ضد المدن الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب.
حصار مضيق هرمز: الانعكاس العملي "للمفاوضات بالقوة"
يُمكن تتبع التدرج العملي لمبدأ "المفاوضات بالقوة" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مُناسبة، بل وجعله منهاج عمل سياسي خلال إدارته الثانية، فقد جاء الإطار التفاوضي الأول بعد سلسلة من الخسائر التي لحقت بوكلاء إيران الإقليميين، والذين شكلوا سابقاً أحد أبرز أوراق التفاوض الإيرانية، وبعد أن شعرت واشنطن أن طهران غير مُستعدة بعد لتقديم التنازلات المطلوبة، وجهت إليها عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو 2025 والتي تبعها إطار تفاوضي ثاني لم يُحقق هو الآخر مبتغاه، فاندلعت الحرب الجارية.
ومن المُمكن مُلاحظة، أن واشنطن لا تعتمد في قراراتها على سير المفاوضات والتقدم الحاصل خلالها، بل على تقييمها لمدى جاهزية إيران على تقديم التنازلات، حيث المفاوضات من وجهة نظر الإدارة الأمريكية مسار ذو اتجاه واحد، يُقدم خلالها الوفد المفاوض الأمريكي مطالبه، وينتظر من إيران المُوافقة أو الامتناع، وفي حالة الامتناع تتجه واشنطن لمضاعفة مُستوى القُوة، فقد وجهت ضرباتها العسكرية في 28 فبراير، بعد يوم واحد من جولة تفاوضية وُصفت بـ"المُبشرة". وعلى النقيض من ذلك تتمسك إيران في مسار من اتجاهين، بحيث تُفضي المفاوضات إلى حلول وسطية قريبة من مطالب واشتراطات الطرفين، وهي تستند في ذلك على تجربة الاتفاق النووي لعام 2015.

في المُقابل، تسعى الولايات المتحدة لترتيب التزامات على إيران ونظامها السياسي، بالتخلي عن برنامجها النووي وتقييد برنامجها الصاروخي، والالتزام بسياسات إقليمية غير عدوانية أو هجينة، إلى جانب الالتزام أمام المجتمع الدولي بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وتضع من جهة أخرى التزامات أمام الشعب الإيراني، الذي هيأت له التطورات خلال السنوات الماضية والعمليات العسكرية الجارية، الميدان المناسب للمطالب بحريته ورُبما الإطاحة بالنظام، لكن حدوث ذلك لن يكون بتدخل أو التزام أمريكي.
وفي الواقع تنفرد الإدارة الأمريكية الحالية بمصفوفة مضافة من الأهداف والأدوات لتكثيف الضغوط على إيران، حيث كان من المتوقع أن يُسهم الحصار الأمريكي على حرية الملاحة الإيرانية في مضيق هرمز في تعزيز وتوسيع نطاق التنازلات ومن أهمها فتح إيران للمضيق، لكن إعلانها أغلاق المضيق مجدداً جعل الولايات المتحدة تضف بُعداً جديداً للحصار، حيث أعلن الجيش الأمريكي في 20 أبريل توسيع نطاق حصاره البحري المفروض على إيران، ليتحول من طوق محلي حول الموانئ الإيرانية إلى مطاردة بحرية عالمية تستهدف أي سفينة مرتبطة بطهران في أي مكان.
وفي حالتي إيران ومن قبلها فنزويلا، يُمكن فهم موقف الولايات المتحدة من استمرار حصار مضيق هرمز وتوسيعه لعدة أسباب؛ أولها تضييق الخناق الاقتصادي أكثر على إيران، وعدم قبول بادرة فتح المضيق من قبل طهران واعتبارها خطوة إيجابية تجاه المفاوضات. ثانيها شكل السيطرة على النفط في الدولتين هدفا قابلا للتطبيق، وقد طبق بالفعل في فنزويلا، ومن المحتمل أن تسعى الإدارة الأمريكية لتجربته في إيران، إما بالقوة من خلال مواصلة الحصار أو عبر مخططات السيطرة على جزيرة خارك النفطية، أو بالمفاوضات لا سيما وأن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية حميد رضا قنبري قد كشف عن عرض إيراني قبل الحرب في منتصف فبراير 2026 أشار إلى إمكانية القبول بذلك عبر منح شركات الطاقة الأمريكية امتيازات خاصة في القطاع بإيران.
مع ذلك، تطرح ورقة حصار مضيق هرمز من قبل القوات الأمريكية عدة تساؤلات، من بينها:
1- تضارب التقارير حول مدى فعالية حصار القوات الأمريكية، إضافة لما يترتب عن الحصار من احتمالية نشوب اشتباك مع الحرس الثوري الإيراني الذي يواصل مُهاجمة سُفن الشحن كان آخرها في 22 أبريل 2026، بمهاجمة إيران سفينتين شمالي سواحل عُمان، فضلًا عن الألغام التي تم زرعها الأخير للسيطرة على المضيق والتحكم فيه. وبينما دخل الحصار حيز التنفيذ يوم الاثنين 13 أبريل، فإن بيانات موقع فورتيكسا تكشف عن نجاح 34 ناقلة نفط مرتبطة بإيران من عبور المضيق وكسر الحصار، منها ناقلة النفط "أليشيا"، المملوكة لشركة صينية وتخضع لعقوبات أمريكية. وقياساً على تناقض التصريحات الأمريكية ونظيرتها الإيرانية، فإن ثمة تساؤلًا مكملًا آخر يتعلق بحدود رغبة إدارة ترامب في الاصطدام مع روسيا أيضًا، حال رغبت سفن روسية في المرور نحو الموانئ الإيرانية؟
2- إذا كان الهدف الرئيسي من حصار مضيق هرمز والموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية هو التأثير أولًا على عائدات النفط الإيراني ومن ثم تكثيف الضغوط الاقتصادية، وثانيًا تضييق الخناق على الصين التي تستورد حوالي 90% من النفط الإيراني، بما يعادل 11% من احتياجات الصين النفطية، فإنه في المقابل تمتلك إيران خبرة في التحايل على العقوبات الغربية فيما يتعلق بمبيعات النفط خلال السنوات الماضية، بداية من 2018 وحتى الحرب الحالية. كما أن الحرب ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة، ومن ثم حققت طهران مكاسب مالية من فروق الأسعار، ما بين (75–80) دولارًا للبرميل قبل الحرب، إلى أكثر من 100 دولار للبرميل خلال الحرب. ومع الأخذ في الحسبان المبيعات اليومية التي تبلغ حوالي 1.5 مليون برميل، مع تخفيضات مخصصة للصين، فإن مبيعات طهران ربما تخطت قيمة 150 مليون دولار يوميًا. وبالطبع تحرص الإدارة الأمريكية على وقف هذه الزيادات، كي تغيّر طهران موقفها وتستجيب لمطالب ترامب في المفاوضات.
سيناريوهات الإطار التفاوضي في إسلام أباد
انتهت مدة الهدنة المتفق عليها بين إيران والولايات المتحدة في 22 أبريل الجاري، وقد جرى تمديدها بطلب باكستاني في ضوء احتمالية انعقاد جولة ثانية من المفاوضات في إسلام أباد. وخلال الفترة من 8 أبريل وحتى 20 من الشهر نفسه، فعّلت الولايات المتحدة تجاه إيران مساري الحصار العسكري والتضييق الاقتصادي، لا سيما مع توقيع عقوبات اقتصادية على بعض رجال الحرس الثوري، فيما يُسمّى بـ"Epic Furry"، وهي السياسة المعنية بتجميد أصول من لهم علاقة بتهريب النفط الإيراني، ومن بينهم نجل "علي شمخاني"، على اعتبار أن هذه الخطوة ساهمت في الضغط على طهران لفتح مضيق هرمز على الأقل من ناحية "عُمان". وفي ضوء المتغيرات الحالية وما قد يستجد داخل الإدارة الأمريكية وداخل طهران، فإنه تبرز عدة سيناريوهات، نوجزها كما يلي:
السيناريو الأول: تعثر المفاوضات وعودة الحرب
إن احتمال تعثر الجولة الثانية من المفاوضات قائم ومُرجح في ظل انعقادها بالتزامن مع استمرار الحصار ومواصلة واشنطن تكثيف أصولها العسكرية الدفاعية والهجومية في المنطقة، وفي ظل مبدأ "التفاوض بالقوة"، الذي انعكس على التجارب السابقة من الإطار التفاوضي الأول ثُم الثاني، إلى جانب التقديرات الإيرانية التي تُشير إلى أن الجولة الثانية من مفاوضات إسلام أباد ما هي إلا تلاعب زمني بانتظار اكتمال التعزيزات العسكرية الأمريكية، إلى جانب أن توقيت الرغبة الأمريكية في التفاوض، تأتي بعد محاولات عدة من قبل الإدارة الأمريكية لطمأنة أسواق النفط وبشكل يؤدي إلى تخفيض أسعاره لكن دون جدوى، ما دفعها لخيار المفاوضات مؤقتاً من أجل تحقيق الاستقرار في أسعار النفط.
إن تزامن المفاوضات مع الحرب، قد يُشكل نمطاً مستمراً حيث يدخل الطرفان في إطار تفاوضي تحت تبادل الضربات العسكرية، وبشكل يحقق لكلاهما إدارة المفاوضات عبر الميدان، فبالنسبة للولايات المتحدة، فإن ضمان وجود مفاوضين قادرين على التفاوض ومن ثم عكس نتائج أي اتفاق على أرض الواقع، يزيد من فعاليتها في مواصلة الحرب حتى الوصول إلى لحظة فارقة يشهد فيها التيار المتشدد في إيران تراجعا وانكساراً تحت ضغط الحرب، إلى جانب ضعف احتمالية تقديم إيران تنازلات في بعض الملفات على غرار برنامجها الصاروخي، وقد أشار المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى ذلك في 26 فبراير 2026، بالقول أن الإيرانيين "لن يمنحونا بالدبلوماسية ما لم نستطع الحصول عليه بالقوة العسكرية"، ما يعني أن ازدواجية العمل العسكري والدبلوماسي ستبقى متزامنة. في المقابل فإن حفاظ طهران على قناة تواصل مع واشنطن تجعلها قادرة على إدارة زخم الحرب دون الوصول إلى لحظة معينة ينهار فيها النظام وتغرق فيها البلاد بالفوضى، وهي مسألة لا تريدها الولايات المتحدة ولا الدول الإقليمية.
وفي حالة تحقق هذا السيناريو، فإن الولايات المتحدة تُهدد بشكل جدي، إلى الاستمرار في الحرب وقد أكد الرئيس الأمريكي ضمن تصريحاته في 26 فبراير 2026 إلى أن أمام إيران خيارين فإما إبرام الاتفاق أو هجوماً أمريكياً مستمراً، ورُبما يأتي بزيادة في زخم عملياتها العسكرية، بتوجيه ضربات حاسمة ضد النظام الإيراني، من بينها عملية أوسع للسيطرة على مضيق هرمز، واستخدام القوات الخاصة والعمليات البرية للسيطرة على المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، ورُبما الذهاب نحو اغتيال القادة الجُدد من الجيل الثاني من بينهم المرشد مجتبي خامنئي وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الجديد محمد باقر ذو القدر.
السيناريو الثاني: نجاح المفاوضات ووقف الحرب
يعتمد نجاح المفاوضات على قدرة كل من الولايات المتحدة وإيران على تعزيز الثقة بالإطار التفاوضي بينهما، وهناك العديد من المؤشرات التي تدعم تحقق هذا السيناريو من بينها أن العامل الزمني يُضيق على الإدارة الأمريكية الاستمرار في خيار الحرب.
إلى جانب ذلك، تُشير التغيرات في الوفود التفاوضية إلى محاولة جديدة لمنح وجوه أخرى الفرصة للتفاوض بشكل أكثر فعالية من التجارب السابقة، فمن جهة الولايات المتحدة تأتي مسؤولية نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بشكل مباشر لقيادة المفاوضات بدلاً من المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، ومن طرف إيران تعتبر مشاركة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ليدير المفاوضات بمثابة مُباركة مباشرة من المُرشد الثالث حيث يحظى قاليباف بنفوذ في دوائر المرشد الضيقة.
في المقابل، تمنح المفاوضات القيادة الجديدة في إيران فرصتها لإثبات فعاليتها الداخلية والخارجية والسير بنهج مختلف عن الجيل السابق من القادة، ومن المحتمل أن الولايات المتحدة عقدت المفاوضات بعد تقديرات ومؤشرات على ذلك، وفي حال نجاح المفاوضات فذلك يُشكل هامشاً للنظام الإيراني بادعاء النصر في هذه الحرب، حيث أصبح يهدف لبقائه أكثر من تمسكه بأدوات قُوته التي قوضتها الحرب. وهناك احتمال أن قادة إيران من الجيل الثاني مُدركين لاحتمالية اغتيالهم وبشكل قد يضعف النظام ويفقده تسلسله القيادي ويدخله وسط حالة من الفوضى والفراغ.
السيناريو الثالث: حالة من اللايقين بين الحرب واللاحرب
يعتبر هذا السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة للمنطقة، ويمكن أن يتحقق في حالة تعمق الحرب وفقدان القدرة على التواصل أو التفاوض مع الطرف الإيراني، سواء نتيجة تعثر المفاوضات الحالية وفقدان إيران بشكل مطلق للثقة بالمفاوضات، أو بسبب موجة أوسع من الاغتيالات تجعل من القادة الإيرانيين في الصفوف الثالثة والرابعة ممسكين بزمام الأمور في البلاد دون توازن في القوى بينهم أو القدرة على اتخاذ قرار على مستوى وطني. وهذا يعني أن الحرب سوف تستمر بوتيرة متقطعة أو بهجمات تخريبية من الطرف الإيراني، مقابل عمليات جراحية وحملات استخباراتية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
السيناريو الرابع: تكثيف الضغوط البديلة
يُمكن للولايات المتحدة استبدال العمليات العسكرية على إيران بتكثيف الضغوط عليها، حيث بدأت بحظر السفن المرتبطة بها من عبور مضيق هرمز بالاتجاهين وتوسيعه إلى جميع سُفنها في البحار، قد تمتد لتشمل أدوات ضغط أخرى من بينها الإعلان عن مناطق حظر للطيران فوق إيران، قد تشمل المدني والعسكري، بالإضافة إلى فرض عقوبات على الدول التي تتعامل مع إيران بنظام الترانزيت والشحن البري، وذلك من أجل تحويل الحصار البحري إلى حصار متكامل جواً وبراً.
ابقى على تواصل
القضايا متعمقة يتم تسليمها أسبوعيا.

القضايا ذات صلة:












